​بقلم: ستار أحمد

​انبثقت الحياة في أولى أشعة ضيائها من كنف حنانٍ يُسمى "المرأة". فإذا كان الرجل في ميدان الحياة يظهر كشلال هادر يتدفق بصخب وضجيج، فلا يجب أن ننسى حقيقة أنه لا وجود لشلال دون نبع. إن المرأة هي ذلك النبع الصامت الذي يمنح القوة للشلال ليتدفق؛ هي أصل كل الحركات التي نراها في عروق التاريخ.

​حين نتحدث عن عظمة الأم، فنحن نتحدث عن الأرض التي ينبت منها كل الوجود. فالأم ليست مجرد اسم للتعريف، بل هي الملاذ الوحيد الذي يشعر فيه الإنسان بالسكينة المطلقة. وفي اللحظة التي يغيب فيها ظل الأب عن الرؤوس، ويواجه الطفل في سن مبكرة مرارة الحرمان، تكون المرأة وحدها هي "القلعة" التي تقف صامدة أمام كل عواصف الزمان. تصبح جيشاً لحماية أجيالها، وسراجاً وسط الظلمات، لكي لا يغرق ذلك الطفل الصغير الذي فجع بموت أبيه في دوامة الوحدة والضياع. المرأة في تلك اللحظة ليست أماً فحسب، بل هي العقل والفكر الذي يرسم خارطة المستقبل.

​إن هذا العالم الواسع، بما يملكه اليوم من مجد وحضارة، مدينٌ بأسره لتلك التربية التي تزرعها المرأة في جوف البيت. إذا بدا الرجل كأنه "كيان الدماغ"، فإن المرأة هي الفكر والخيال ذاته، إذ لا يمكن لدماغ أن ينتج دون تفكير. المرأة، في خلوة صمتها، تعكف على صياغة أعظم مشروع إنساني، وهو بناء الإنسان المتسلح بالقيم.

​وعندما يقف الرجل حائراً في سجن الحياة وقيود المشاكل والآلام، فإن فكر المرأة الثاقب وحليب الأم الطاهر هما بوابتا النجاة والأمل. إنها مزيج من الدم والحليب؛ الدم للتضحية والنضال من أجل الحياة، والحليب للتربية واستمرارية البشرية. إن الدم الذي يجري اليوم في عروق يتيم ليصنع منه رجلاً ذا موقف، استمد حرارته من ذلك الحنان الذي همست به الأم في أذن الحياة خلال ليالي السهر عند المهد. الأم هي المعلم الذي يعلمنا كيف نقف على أقدامنا، حتى لو عادانا العالم أجمع.

​إن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة الشلال بالمنبع. الرجل كالشلال، يمثل الظهور والنشاط في الخارج، لكن هذا الشلال يستمد كل بهائه وجماله من الماء الذي يمنحه إياه النبع. والنبع، الذي هو المرأة، يعمل في أعماق الأرض بعظمة وصمت؛ لا يمنّ على أحد، لكنه لو توقف عن التدفق لثانية واحدة، لتحول الشلال إلى صخرة صماء لا قيمة لها.

​هذا التكامل هو فلسفة عميقة لنعرف أن الحياة بدون حنان المرأة ليست سوى صحراء قاحلة. العالم في عين إنسان بلا أم يشبه "بيضة مخفوقة" (مشوشة)، مليء بالفوضى والغموض، لكن عطف الأم هو الذي يفلّق تلك البيضة ليخرج منها شعاع النور إلى الظلمات. المرأة هي تلك اليد المقدسة التي تضمد جراح الحياة، وببسمة واحدة منها، يُغسل تعب السنين.

​ختاماً، يجب القول إن احترام المرأة ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو اعتراف بحقيقة كونية. إن من يستصغر المرأة أو يتجاهل دور الأم، فإنه في الأصل ينكر مصدر وجوده. المرأة ليست مجرد إنسان يقف بجانب الرجل، بل هي الجذر الذي يرتبط به الرجل وبه ينمو. إذا كان الرجل هو الدماغ، فالمرأة هي الفكر؛ وإذا كان الرجل هو الدم، فالمرأة هي الحليب؛ وإذا كان الرجل هو الشلال، فالمرأة هي ذلك النبع الأزلي الذي لا يعرف الجفاف.

​سلامٌ لكل الأمهات اللواتي تحملن عبء الأبوة أيضاً وصرن قلاعاً لحماية كرامة الإنسان. سلامٌ للنساء اللواتي يمثل حنانهن الطريق الوحيد لبقاء هذا العالم وسط الزحام والمآسي. الحياة تبدأ من المرأة، وبالأم تكبر، وبحنانهما تصل إلى ذروة الإنسانية، لتهب الأرض الظمأى -كالشلال- لحناً عذباً ورقيقاً.


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا