
بقلم: ستار أحمد
إن زاگروس ليست مجرد سلسلة جبلية وعرة، بل هي المهد الذي نجا فيه النوع البشري من الفناء. من هنا، ومن سفح جبل جودي، وُسمت الحياة مرة أخرى بختم البقاء، وخطت الحضارة أولى خطواتها. لقد فُتحت صفحة جديدة من التاريخ فوق القمم الشاهقة لكردستان؛ ففي اللحظة التي صدر فيها الأمر السماوي واستقرت سفينة سيدنا نوح عليه السلام فوق جبل جودي، وُضع ختم القدسية على أرضٍ أصبحت الملاذ الوحيد للحياة.
إن جبل جودي، الذي ينبض كقلبٍ في وسط سلسلة جبال زاگروس، ليس مجرد علامة جغرافية، بل هو هوية إعادة ميلاد المجتمع البشري. وحين تشير الكتب السماوية بنصوصٍ قاطعة إلى أن السفينة استقرت وهدأت فوق جودي، فإن هذا يضع حداً لكل الشكوك ويثبت حقيقة تاريخية جرى محاولة تشويهها لآلاف السنين. هذه الحقيقة محسومة ولا تقبل التأويل؛ فبما أن الحياة قد بدأت من هذه الأرض المقدسة، فمن المستحيل أن يكون أحفاد هؤلاء الناجين غرباء عن هذه الطبيعة. فالكرد، بصفتهم السكان الأصليين والقدماء لسفوح زاگروس، ليسوا ضيوفاً، بل هم الحراس الحقيقيون لهذا الميراث العظيم.
كيف يمكن للبشرية أن تستقر في قلب كردستان، ثم تُنسب أصول هؤلاء البشر إلى بلدان وأمم نائية...؟ إن هذا ليس ظلماً للتاريخ فحسب، بل هو تجاهل لتلك الحقيقة الكونية التي تقول إن الحياة انبعثت من جديد من هنا، من هذه الأرض الخصبة والجبال الشاهقة، وفوقها تعلم الإنسان أولى خطوات الحضارة. إن زاگروس شاهدة على تلك الأيام التي بُنيت فيها أولى القرى وأولى تجارب الزراعة على يد إنسان هذه المنطقة. فكل حجر، وكهف، وينبوع في جودي يشهد بأن هذه الأرض كانت موطن البركة والمهد الأول للعمران.
ومن الناحية اللغوية أيضاً، يمتزج اسم "جودي" بالثقافة القديمة لهذه المنطقة؛ فجوهر هذه الكلمة يحمل معاني البقاء والصلابة، وهذا يتطابق تماماً مع إرادة الإنسان الكردي وطبيعة جبالنا. إن أي محاولة لفصل تاريخ هذا الشعب عن تلك الحقيقة، أو محاولة إخراج أمة من نسل "أبي البشرية الثاني"، هي ظلم فادح يرفضه التاريخ والوعي البشري معاً.
اليوم، حين نتحدث عن جودي، فإننا نتحدث عن شموخ أمة تحرس منذ آلاف السنين ذلك الموطن الذي نجا فيه البشر من الفناء. إن كردستان ليست وطناً للكرد فحسب، بل هي المهد الثاني للإنسانية جمعاء. من هنا انطلقت رسالة المساواة والانبعاث إلى العالم، ومن هنا ثبُت أن إحقاق الحق وحب الإنسانية هما معيار العظمة، لا العرق والقومية. يقف جودي كقلعة تاريخية ليقول للعالم: جذورنا هنا، تاريخنا هنا، ومن هنا تعلمت البشرية كيف تعيش من جديد.